عماد الدين خليل
90
المستشرقون والسيرة النبوية
مهما يكن من أمر فإن ( وات ) إذا كان قد قدر على اتخاذ موقف حيادي من مسألة الصراع بين المسيحية والإسلام ( على الرغم من أن هذا الاستنتاج ليس صائبا بشكل نهائي كما سنرى ) ؛ فإنّه لم يستطع الفكاك من نقاط الشد الآخرى التي تمسك بتلابيب العقل الغربي : النزوع العلماني والمسلمات المادية والرؤية الوضعية ، والانحسار على المنظور واعتقاد القدرة على إخضاع كل ظاهرة تاريخيّة أو بشريّة لمقولات التحليل العقلي الخالص ، حتى ولو كانت ( غيبية ) تند عن التعليل والتحليل . إن ( وات ) هو ابن الحضارة الغربية ولن يستطيع الرجل بسهولة أن ينشق على مواضعات البيئة التي شكلت عقله . . ولكنه - مرة أخرى - يعد أكثر قدرة على ( التحرر ) من معظم زملائه المستشرقين الذين عاصروه أو سبقوه على الطريق . 2 والآن يجب أن نختبر بحثه ( محمد في مكة ) لوضع اليد على عناصر الخلل المنهجي فيما يتعلق بهذه النقطة بالذات : إسقاط الرؤية العقلية المعاصرة على التاريخ . . منذ البداية ، ولما يمض سوى أسطر معدودات على إعلانه الحياد في مقدّمته يتّخذ من القرآن - كمصدر لدراسة العصر المكي - موقفا يفهم منه اثنتان ، أولاهما : عدم اطمئنانه إلى موضوعية روايات القرآن التاريخية ، وثانيتهما : أن الشك يحوم حول كثير من النتائج بهذا الصدد ! ! فهو يقول ، ولمّا يزل بعد في المقدمة : « جرت العادة بعض الوقت بأنّ القرآن هو المصدر الرئيسي لفهم الفترة المكّية ، ولا شك أن القرآن معاصر لتلك الفترة ، ولكنه متحيّز ناهيك بصعوبة تحديد التسلسل الزمني لمختلف أجزائه ، وما يحوم حول كثير من النتائج من شكّ ، فهو لا يمدّنا بأي شيء يمكن أن يكون لوحة كاملة لحياة محمد والمسلمين خلال الفترة المكية .